الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

تلامذَة إبليس وسياسة التحريش

تلامذَة إبليس وسياسة التحريش
بقلم: تقوى مصطفى

ورد في صحيح مسلم، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال:

«إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (رواه مسلم، رقم 2812).

حديثٌ نبويٌّ قصير اللفظ، عظيم المعنى، يختصر لنا واقع هذه الأمة.

فعقيدة المؤمن صخرةٌ راسخة لا تتصدّع، وحلم الشهادة عنده شرفٌ يُستقبل بصدرٍ منشرح ويقينٍ لا يتزعزع. وهذا بالذات ما أرعب الأعداء وأربك حساباتهم؛ إذ كيف تُواجه شعوبًا لا تهاب الموت، ولا تساوم على عقيدتها؟

ولم يكن هذا الإدراك لديهم محض تخمين أو صدفة، بل هو ثمرة دراساتٍ وأبحاثٍ معمّقة خاضوها في تحليل النفسية العربية وطبيعتها وبنية مجتمعاتها الداخلية، حتى خلصوا إلى أن التفريق والتحريش — لا المواجهة العسكرية المباشرة — هو الأيسر كلفةً والأقوى أثرًا للنيل منها.

فلمّا استعصى عليهم كسرها من الخارج بالسلاح والحرب المباشرة، لجأوا إلى معلّمهم القديم إبليس، واستعاروا خطته الأزلية التي لا تُخطئ: لا تُواجههم وجهًا لوجه، بل حرّضهم على أنفسهم، ودعهم يتقاتلون بأيديهم.

ونجحت تلك السياسة في الساحة الفلسطينية، حين استُثمرت الخلافات بين الفصائل وطُعّمت بالعمالة، فتحوّلت قضية التحرير الكبرى إلى ساحة اقتتال داخلي صغير. ثم توسّع المشروع شيئًا فشيئًا حتى طال رقعة أوسع من العالم العربي، فما عاد يقتصر على بلدٍ بعينه.

وإذا ما تأملنا خارطة الأزمات العربية اليوم بلا مجاملة، أدركنا أن المشكلة في جوهرها واحدة، وإن تعدّدت المسمّيات وتغيّرت أسماء الطوائف من بلدٍ إلى آخر: في السودان، في اليمن، في سوريا في سنوات محنتها، في لبنان، في الصومال، وفي غيرها، نجد ذات النسخة تتكرر بحذافيرها: فرقةٌ مارِقَةٌ تُزرع بعناية، وتُعبَّأ بأفكارٍ ومعتقداتٍ مغلوطة حتى تُصبح عندها يقينًا لا يُناقَش ولا يُراجَع، ثم يبدأ النزاع والقتال، ليجلس الأعداء متفرّجين، يشاهدوننا نُدمّر أنفسنا بأيدينا، دون أن يُكلَّفوا أنفسهم عناء رصاصةٍ واحدة.

ومن هنا تتجلّى الحكمة الربانية في تشديد الدين على طاعة وليّ الأمر، والنهي عن الخروج عليه؛ فما كانت تلك دعوةً إلى الاستكانة أو الرضا بالظلم أو قمع الحريات كما يظن الجهلة، بل كانت صمام أمانٍ يحمي الأمة من هذه الفوضى المدمّرة التي نشهد اليوم فصولها بقلوبٍ مكلومة.

وفي هذا السياق، يحقّ لنا، بل يجب علينا، أن نُشيد بموقف المملكة العربية السعودية، التي ظلّت على مدى عقودٍ طويلة منارةً للعلم والسنّة، ولم تفتأ تسعى حثيثًا لدعم الشرعية ولمّ الشمل في كل اتجاه: في دعم السلطة الفلسطينية، وفي جهود توحيد الصف السوري، وفي السعي لجمع كلمة الصومال والسودان. وفي كل هذه المشاهد المتفرقة، تتكرر ذات النظرة الثاقبة التي تدرك أن الوحدة هي خط الدفاع الأول والأخير أمام هذا المخطط.

وأستحضر هنا ذكرى أيامٍ بعيدة، كنت فيها مبتعثةً للدراسة في أمريكا، إبّان فتنة البحرين وتحرك قوات درع الجزيرة، حين كان بعض زملائي الأمريكان يسألونني بشيءٍ من اللوم: “أنتم تريدون احتلال البحرين!” فلم أكن أملك حينها إلا أن أبتسم ساخرة وأقول: بل هناك من يريد أن يدمرَها، ويدمرَ جيرانها معها، ونحن لا نفعل شيئًا سوى إفساد ذلك المخطط عليه.

فلم يكن للمملكة يومًا مطمعٌ في البحرين، كما لا مطمع لها اليوم في اليمن، سوى انتشال ذلك الشعب من فاجعته وخديعة أعدائه، ودرء شررٍ قد يمتد ليُشعل المنطقة بأسرها.

فما نشهده اليوم في اليمن من أحداثٍ مؤسفة ليس إلا الوصفة ذاتها، معادةً بحذافيرها؛ إذ يهدمون بيوتهم بأيديهم، ويقتلون أنفسهم، ويعادون جيرانهم، وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعًا.

وقد حدّثنا مَن كان على جبهة الدفاع في مواجهة الحوثيين من القوات البرية السعودية، أن من ضمن مَن كانوا يواجهونهم في الميدان شبانًا صغارًا لا تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، فتعتريهم لحظات صمتٍ وتردد وتشاور، شفقةً ورحمةً بهؤلاء الصغار وبحالهم، وهم يدركون أن هؤلاء الفتية أنفسهم، وبفعل ما زُرع وتشرّب في صدورهم من غلٍّ وحقدٍ وضغينةٍ غير مبرَّرة، لم يكونوا ليتردّدوا لحظةً واحدة تجاههم، في مشهدٍ يختصر مأساة جيلٍ كاملٍ سُرق منه العقل قبل العمر.

وكم سعت المملكة سنينًا طوالًا، بصبرٍ ومثابرة، لإبطال هذه الفتنة، غير أن الجهل، حين يتحصّن ويتجذّر، يصعب اقتلاعه.

وإن من مصاديق سهولة زرع الشقاق فيما بيننا، كعربٍ أشقاء، ما تشهده وسائل التواصل الاجتماعي من صولاتٍ وجولات، ومراشقاتٍ لا تنتهي… ناهيك عما يشوب تعاملاتنا اليومية من سوء ظن، وتصَيُّد زلّة، وشخصنةٍ للقضايا والأطروحات؛ فتنشأ من ذلك أضغان الصدور، وقطيعة الأرحام، وتفرّق أشقاء البيت الواحد. فلا نملك إلا — بضحكةٍ تكسوها دمعة — أن نترحّم على جلال عامر، حين قال جملته الخالدة: «نحن ديمقراطيون جدًا، تبدأ مناقشاتنا بتبادل الآراء في السياسة والاقتصاد، وتنتهي بتبادل الآراء في الأب والأم».

وإن كان العقلاء ممن يُدركون الخديعة يضحكون بحسرةٍ وأسى على حالنا هذا، فلا ريب أن الأعداء يراقبون المشهد الأكبر من بعيد، ويضحكون هم أيضًا، لكن بسخريةٍ وشماتة.

فالوحدة، ولا شيء غيرها، هي العلاج لمآزق هذه الأمة المثخنة بالجراح. ولا ننسى هنا أن نُشيد باتفاق مكة، سائلين الله عز وجل أن يكون نواةً لمشروع وحدةٍ إسلاميةٍ جامعة، يُبنى على نورٍ وبصيرة، بمبادرة من حكومةٍ راشدة وسياسةٍ ثاقبة.

والله المستعَان، وإليه وحده نرفع الشكوى في حال الأوطان والأزمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى